دراسة مركز الجزيرة: مفاوضات لبنان–إسرائيل قد تضع سلاح حزب الله في المحك

دراسة
يدخل لبنان مرحلة بالغة الحساسية مع اقتراب جولة جديدة من المفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركية، في وقت لم يعد فيه السؤال محصورًا بإمكان التوصل إلى وقف للحرب أو انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية، بل اتسع ليطال مستقبل التوازنات الداخلية ومصير سلاح حزب الله وحدود قدرة الدولة على التعامل معه من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية.
وتضع دراسة صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، أعدها الباحث شفيق شقير، المسار التفاوضي في إطار أوسع من مجرد مفاوضات حدودية أو أمنية، معتبرة أن الضغوط الإسرائيلية باتت تتقاطع بصورة مباشرة مع البنية السياسية والطائفية اللبنانية، ومع النقاش المتصاعد حول حصر السلاح بيد الدولة.
وتشير الدراسة إلى أن السؤال المركزي لم يعد: هل تنسحب إسرائيل؟ بل أصبح: ماذا سيحدث داخل لبنان إذا رُبط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله، بينما يبقى ميزان القوة الميداني مختلًا لمصلحة إسرائيل؟
إسرائيل تفاوض من موقع التفوق
بحسب الدراسة، شكل يونيو/حزيران 2026 محطة أساسية بعد التوصل خلال الجولة الخامسة من المفاوضات إلى ما سُمي «الاتفاق الإطاري»، الذي فتح الباب أمام ترتيبات تدريجية يفترض أن تقود إلى إعادة انتشار القوات الإسرائيلية وتولي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل.
وتقوم الآلية على بدء التنفيذ في مناطق محددة، ينتشر فيها الجيش اللبناني بعد التحقق من غياب السلاح والبنى العسكرية التابعة لأي جماعات خارج مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها حزب الله.
إلا أن المشكلة الأساسية، وفق الدراسة، تكمن في غياب التوازن بين الالتزامات. فبينما يُطلب من لبنان اتخاذ إجراءات مباشرة وميدانية تتعلق بسلاح الحزب وبنيته العسكرية، لا يرتبط الانسحاب الإسرائيلي بجدول زمني ملزم وواضح.
وبذلك تصبح إسرائيل، عمليًا، الطرف القادر على تحديد ما إذا كانت الإجراءات اللبنانية كافية للانتقال إلى المرحلة التالية.
من وقف النار إلى إعادة صياغة قواعد المواجهة
تعتبر الدراسة أن التحول بدأ فعليًا منذ اتفاق وقف الأعمال العدائية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حين تمكنت إسرائيل من فصل جبهة لبنان عن الحرب في غزة، وتحويل النقاش من قضية الاعتداءات والانسحاب وترسيم الحدود إلى سؤال مختلف: كيف يمكن ضمان أمن شمال إسرائيل ومنع حزب الله من استعادة قدرته العسكرية؟
ومنذ ذلك الحين، باتت المفاوضات تختبر ليس فقط موقف الحكومة اللبنانية، وإنما قدرة الدولة نفسها على إنتاج واقع أمني تعتبره إسرائيل مقبولًا.
وفي هذه المعادلة، احتفظت إسرائيل بحرية واسعة في العمل العسكري والاستخباري والجوي، بينما تعرض حزب الله لقيود أكبر على حركته العسكرية.
وتشير الدراسة إلى أن هذه المعادلة تمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مكسبًا سياسيًا داخليًا، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، إذ يستطيع تقديم الترتيبات الحالية بوصفها نجاحًا في تقليص قدرة حزب الله من دون تقديم تنازلات إسرائيلية موازية.
مرتفع علي الطاهر: التفاوض تحت النار
تتوقف الدراسة عند مرتفع علي الطاهر بوصفه نموذجًا واضحًا لطريقة إدارة إسرائيل للمفاوضات.
فالتحرك العسكري الإسرائيلي في المنطقة لا يُقرأ فقط باعتباره عملية ميدانية تستهدف بنية حزب الله، وإنما أيضًا محاولة لإنتاج أوراق تفاوض جديدة.
كل موقع تسيطر عليه إسرائيل أو تدمر بنيته العسكرية يمكن أن يتحول لاحقًا إلى عنصر تفاوضي: تنسحب منه مقابل إجراءات إضافية من الدولة اللبنانية.
وبهذه الطريقة لا يصبح التفاوض بديلًا عن الحرب، بل امتدادًا لها بوسائل سياسية.
وتخلص الدراسة إلى أن نتنياهو يتعامل مع الضغط العسكري والمفاوضات كمسارين متكاملين: الميدان يخلق وقائع جديدة، والتفاوض يحاول تحويل هذه الوقائع إلى التزامات لبنانية طويلة الأمد.
هل تستطيع إسرائيل إنهاء حزب الله عسكريًا؟
هنا تضع الدراسة حدًا واضحًا للتفوق الإسرائيلي.
فإسرائيل قادرة على إضعاف حزب الله، وتدمير منشآت ومخازن ومواقع قتالية، وفرض كلفة عسكرية كبيرة عليه، لكن الانتقال من مرحلة الإضعاف إلى مرحلة إنهاء الحزب يفتح مسارًا مختلفًا تمامًا.
حزب الله ليس قوة عسكرية منفصلة عن المجتمع اللبناني، بل تنظيم سياسي واجتماعي وعسكري متداخل مع جزء واسع من البيئة الشيعية وموجود داخل مؤسسات الدولة والحياة السياسية.
ولهذا فإن محاولة القضاء عليه عسكريًا لا تعني فقط مهاجمة تشكيلات مسلحة، وإنما الدخول مباشرة في إعادة تشكيل التوازن اللبناني الداخلي.
وكلما توسعت الأهداف الإسرائيلية من إبعاد الحزب عن الحدود إلى إنهاء قوته العسكرية في كامل لبنان، ازدادت الكلفة السياسية والعسكرية والاجتماعية للمواجهة.
بيروت تقبل بالتفاوض باعتباره «أفضل المتاح»
في المقابل، تدرك الدولة اللبنانية حجم الاختلال في ميزان التفاوض، لكنها ترى أن الاستمرار في المسار الدبلوماسي يظل أقل الخيارات كلفة.
وتراهن بيروت على أن يؤدي التفاوض، ولو بصورة تدريجية، إلى تحقيق هدفين رئيسيين: وقف الحرب وانسحاب إسرائيل.
كما أعاد الانخراط في المفاوضات لبنان إلى دائرة الاهتمام الأميركي والدولي بعد سنوات من التراجع السياسي والاقتصادي.
ويكتسب هذا المسار أهمية استثنائية بالنسبة للرئيس جوزاف عون، إذ إن نجاح عهده في إنهاء الحرب وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي وإعادة حصر القرار الأمني والعسكري بالدولة يمكن أن يتحول إلى أبرز إنجاز سياسي في ولايته.
لكن النتائج التي حصل عليها لبنان حتى الآن تبدو محدودة مقارنة بحجم الالتزامات المطلوبة منه.
المناطق التجريبية واختبار الجيش
أدخل لبنان خلال المفاوضات مبدأ الانسحاب التدريجي، وبدأ تطبيقه بشكل محدود في عدد من المناطق، من بينها فرون وصريفا وزوطر الغربية.
إلا أن التجربة كشفت عن فجوة واسعة بين التصور اللبناني والتفسير الإسرائيلي.
فبيروت تعتبر انتشار الجيش وضبط السلاح خطوة باتجاه استعادة السيادة، بينما تطالب إسرائيل بنتائج أوسع وأكثر عمقًا تتعلق ببنية حزب الله العسكرية نفسها.
وبحسب الدراسة، أبلغت إسرائيل الجانب الأميركي بعدم اقتناعها بنتائج المرحلة التجريبية، معتبرة أن إجراءات الجيش اللبناني لا تزال دون المستوى المطلوب.
وهنا يظهر الخلاف الأساسي حول معنى «حصر السلاح».
أين يبدأ ملف سلاح حزب الله وأين ينتهي؟
هل المطلوب إبعاد السلاح عن جنوب الليطاني فقط؟
أم إزالة الصواريخ والطائرات المسيّرة والبنى العسكرية في كل لبنان؟
وهل يشمل ذلك السلاح الثقيل فقط، أم يمتد إلى كامل البنية التنظيمية والعسكرية للحزب؟
هذه الأسئلة ليست تقنية، بل تمس جوهر النظام السياسي اللبناني.
فالانتقال من ترتيبات أمنية محدودة جنوب الليطاني إلى نزع كامل القوة العسكرية لحزب الله يعني الانتقال من معالجة مشكلة حدودية إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل لبنان.
ويرفض الحزب هذا المسار بصيغته الحالية، ويصر على أن أي نقاش في سلاحه يجب أن يسبقه انسحاب إسرائيلي شامل، ووقف الاعتداءات، وإطلاق الأسرى، وضمان عدم عودة إسرائيل إلى المناطق التي تنسحب منها.
حزب الله يرفض التفاوض المباشر لكنه يحتاج إلى استمرار المسار
تكشف الدراسة عن مفارقة واضحة في موقف الحزب.
فحزب الله يرفض التفاوض المباشر مع إسرائيل ويعتبره مكسبًا سياسيًا مجانيًا لها، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع تجاهل الفائدة التي يوفرها استمرار المسار التفاوضي.
وجود المفاوضات يخفف احتمال الانفجار الفوري نحو حرب شاملة، ويمنح الحزب وقتًا لإعادة تنظيم وضعه وإدارة المواجهة.
كما يسمح له بنقل ملف السلاح من طاولة تفاوض لبنانية–إسرائيلية إلى نقاش لبناني داخلي حول استراتيجية الدفاع والأمن القومي.
ومن هذه الزاوية، يصبح استمرار المفاوضات مفيدًا للحزب حتى وإن عارض شكلها السياسي.
معضلة الدولة: السيادة قد تتحول إلى صدام داخلي
الخطر الأكبر يبدأ عندما ينتقل الضغط الإسرائيلي من الحدود إلى الداخل اللبناني.
فإذا أصبح المطلوب من الدولة اللبنانية نزع سلاح حزب الله بالقوة، تصبح بيروت أمام معادلة شديدة الخطورة.
إما أن ترفض الشروط الإسرائيلية وتواجه استمرار الاحتلال والضربات، وإما أن تحاول تنفيذها بالقوة، بما قد يفتح مواجهة داخلية لا يمكن التحكم بنتائجها.
وترى الدراسة أن الجزء الأكبر من البيئة الشيعية لا ينظر إلى القضية باعتبارها مجرد ملف سلاح، بل يخشى أن تتحول إلى محاولة لإعادة صياغة موقع الطائفة داخل النظام اللبناني.
ومع استمرار الحرب وتعثر العودة إلى القرى الجنوبية، تتوسع هذه المخاوف لتشمل مسائل النزوح والديموغرافيا والتمثيل السياسي.
من النزوح إلى خطر التهجير الدائم
تضيف الدراسة أن استمرار إخلاء قرى الجنوب لفترات طويلة يمكن أن يحول أزمة النزوح المؤقت إلى أزمة اجتماعية وسياسية دائمة.
فبقاء عشرات آلاف السكان خارج بلداتهم يعني الحاجة إلى إسكان طويل الأمد في بيروت والساحل ومناطق أخرى، وهو ملف شديد الحساسية في التركيبة اللبنانية.
ومع الوقت، قد تتجاوز المسألة بعدها الإنساني لتتحول إلى قضية ديمغرافية وسياسية وطائفية.
ولهذا تُطرح المخاوف داخل البيئة الشيعية من تحول النزوح إلى تهجير دائم، حتى وإن بقيت بعض السيناريوهات المتداولة في هذا الإطار غير مثبتة.
الجيش اللبناني بين استعادة السيادة وخطر الانقسام
تراهن الولايات المتحدة ودول عربية وغربية على الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة القادرة على تولي المسؤولية الأمنية في الجنوب ومنع العودة إلى الفوضى المسلحة.
لكن وضع الجيش في مواجهة مباشرة مع حزب الله يحمل مخاطر استثنائية.
المؤسسة العسكرية اللبنانية تعكس هي الأخرى التركيبة الاجتماعية والطائفية للبلاد، وأي محاولة لاستخدامها في صراع داخلي واسع قد تعرض وحدتها لضغوط هائلة.
ولا تعتبر الدراسة أن انقسام الجيش أو اندلاع حرب أهلية أمر وشيك، لكنها ترى أن هذه السيناريوهات تظل جزءًا من الحسابات السياسية اللبنانية كلما انتقل ملف السلاح من التوافق إلى الإكراه.
ومن هنا تبرز تصريحات رئيس مجلس النواب نبيه بري المتكررة بأن الجيش «خط أحمر».
المشكلة ليست عسكرية فقط
يمكن لإسرائيل أن تحتل أراضي إضافية وأن تدمر قدرات عسكرية تابعة لحزب الله، لكنها لا تستطيع بالضرورة تحويل التفوق العسكري إلى نظام سياسي لبناني جديد.
فهزيمة قوة عسكرية شيء، وإعادة هندسة مجتمع متعدد الطوائف والقوى السياسية شيء آخر تمامًا.
ويرتبط حزب الله من جهة ببيئته الاجتماعية والسياسية داخل لبنان، ومن جهة أخرى بإيران وبشبكة إقليمية أوسع.
ولهذا فإن أي محاولة لإنهائه لا تتطلب فقط تراجع قدراته العسكرية، بل تغييرًا واسعًا في ميزان القوة الإقليمي يبدأ من إيران ويمتد إلى الداخل اللبناني.

هل تستطيع إسرائيل فرض نهاية لحزب الله؟
الجواب الذي تقود إليه الدراسة أكثر تعقيدًا من «نعم» أو «لا».
إسرائيل تستطيع إضعاف حزب الله بدرجة كبيرة، وتقييد حركته، وتدمير جزء من قدراته العسكرية، وفرض شروط قاسية على الدولة اللبنانية.
لكن إنهاء الحزب بالكامل يتطلب تحولًا سياسيًا واجتماعيًا وإقليميًا يتجاوز القدرة العسكرية الإسرائيلية وحدها.
وإذا حاولت إسرائيل دفع الدولة اللبنانية إلى إنجاز هذه المهمة بالقوة، فقد تنتقل المعركة من مواجهة إسرائيل وحزب الله إلى صراع بين اللبنانيين أنفسهم.
وعند تلك النقطة يصبح السؤال الأخطر ليس من ينتصر بين إسرائيل وحزب الله، بل ما إذا كان لبنان قادرًا على البقاء متماسكًا أثناء محاولة إعادة صياغة ميزان القوة داخله.
الحلول التدريجية قد تكون الأكثر واقعية
ترجح الدراسة أن أي تسوية قابلة للاستمرار ستحتاج إلى مقاربة تدريجية بدل محاولة فرض حل شامل وفوري.
قد يشمل ذلك تنظيم السلاح على مراحل، وربط كل مرحلة بانسحاب إسرائيلي واضح، ووضع ملف استراتيجية الدفاع ضمن تفاهم لبناني داخلي، بالتوازي مع إنشاء ترتيبات حدودية تمنع استخدام جنوب لبنان منصة لمهاجمة إسرائيل من دون أن تتحول هذه الترتيبات إلى غطاء لاستمرار الاحتلال.
كما أن البيئة الإقليمية قد تضع قيودًا على الطموحات الإسرائيلية.
فدول عربية وتركيا، رغم خلافاتها مع إيران وحزب الله، لا تنظر بالضرورة بإيجابية إلى توسع إسرائيلي طويل الأمد في لبنان وسوريا، كما يمكن أن يؤدي استمرار الاحتلال إلى زيادة التحفظات الأوروبية والدولية.
لبنان بين حربين
في النهاية، يقف لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد.
إذا بقي التفاوض وسيلة لتحقيق انسحاب إسرائيلي واستعادة تدريجية لسيادة الدولة، يمكن للمسار أن يستمر رغم اختلال موازين القوة.
أما إذا تحول إلى أداة لإجبار الدولة على إعادة تشكيل التوازن اللبناني بالقوة ونزع سلاح حزب الله عسكريًا، فقد يتحول المسار الذي بدأ بهدف إنهاء الحرب مع إسرائيل إلى بوابة لصراع داخل لبنان نفسه.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: قد تستطيع إسرائيل توجيه ضربات قاسية إلى حزب الله، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة على تحديد شكل لبنان الذي سيظهر بعد انتهاء المعركة.



